محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

827

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

لا شريك له . فقال له ابن جدعان : كما شئت . فأعطاه ماله وخرج مهاجرا على بعير له معه قوسه وجعبته ؛ فخرج بنو تيم في طلبه ؛ فلمّا أدركوه وقف لهم غير بعيد وقال : إنّ في كنانتي كذا وكذا سهما وقد عرفتم أنّي مصيب في الرمي ؛ واللّه الذي لا يعبد مثله ولا أعظم لا أضعها إلّا في صدر رجل رجل منكم ؛ فولّوا عنه راجعين . فلمّا قدم المدينة قال له عمر : ربح البيع أبا يحيى ؛ وقال سعيد بن المسيّب وعطاء : أقبل صهيب مهاجرا ؛ فتبعه نفر من المشركين وذكر نحو ما ذكرنا وزاد : ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي ثمّ افعلوا ما شئتم ؛ فإن شئتم دللتكم على مالي ومنيتي بمكّة وخلّيتم سبيلي ، قالوا : نعم . ففعلوا ذلك ؛ فلمّا بلغ المدينة تلقاه أبو بكر وعمر وقالا له : ربح بيعك . وروى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّها نزلت في صهيب وعمّار بن ياسر وأمّه سميّة وأبيه ياسر وبلال وخبّاب بن الأرت أخذهم مشركوا مكّة وعذّبوهم ؛ فأمّا صهيب فأعطاءهم ماله ومتاعه وخلّوا سبيله ؛ فهاجر إلى المدينة ؛ وأمّا خباب فهرب منهم وأتى المدينة ، وأمّا سميّة فربطت بين بعيرين ثمّ وجي قبلها بالرمح ؛ وقيل لها : إنّما اتّبعت أصحاب محمّد من أجل الجماع ، وقتل ياسر ، وأمّا عمار فإنّه أجابهم إلى ما أرادوه تقيّة وقلبه مطمئن بالإيمان ؛ فنزلت فيهم بعد أن هاجروا : وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا . وقوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ أي رحيم بهم ؛ والرأفة : شدّة الرحمة ، وقرئ « 1 » رؤوف بالمدّ والتثقيل وقرئ بالتخفيف . الأسرار قال الذين والوا من شرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه : إنّ التضادّ بين الفريقين بلغ مبلغا هو النهاية في الخير والشرّ ؛ فأمّا الشرّير فيعجبك قوله فصاحة وبلاغة وتشدّقا وانطلاقا في الجدال والخصام ، وفعله السعي في الأرض بالفساد والظلم الفاحش على العباد ؛ وأمّا الخيّر فيعجبك فعله ؛ إذ شرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه راضيا بقضاء اللّه على كلّ حال ، يفدي نفسه لا يبالي قتل أو عذّب في طاعة اللّه ، ويبذل ماله لا يبالي افتقر أو هلك جوعا في سبيل اللّه ؛

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : القراءة .